تحليل: موسم 2017 يعد بالإثارة المنتظرة في الفورمولا 1

أسبوعٌ يفصلنا عن جائزة أستراليا الكبرى الافتتاحية لموسم 2017 من بطولة العالم للفورمولا 1. هل تستمر سيطرة مرسيدس؟ أم يمكن لفريق فيراري أن يشكل تهديداً في الصدارة واستمرار تمتعه بالمستوى القوي الذي ظهر به في التجارب الشتوية؟ وماذا عن بقية الفرق وطموحاتها لهذا لموسم الجديد؟

منذ وضع النسخة النهائية للقوانين التقنية لموسم 2017، الجميع كان يترقب بداية هذا الموسم مع ما يحمله من تغيرات على صعيد تصميم السيارات، وزيادة سرعة هذه السيارات بشكلٍ ملحوظ مقارنةً مع الأعوام القليلة الماضية.

وبالفعل، تترجمت هذه السرعة في التجارب الشتوية مع تسجيل تواقيت أسرع بأكثر من 5 ثواني من تواقيت العام الماضي، وظهر فريق فيراري بمستوى قوي جداً، علماً أنه من المتوقع أن فرق مرسيدس وريد بُل لم تظهر بقوتها الحقيقية في كامل مجريات التجارب.

معركة الصدارة: مرسيدس / فيراري… وريد بُل؟

كان فريق ريد بُل من أكبر المطالبين باعتماد التغييرات في القوانين التقنية. نظراً لأن مثل هذه التغييرات يمكنها أن تؤدي إلى خلط الأوراق من جهة، ونظراً لأن هذه القوانين الجديدة تركز، بشكلٍ كبير، على الجوانب الانسيابية في السيارة، وهي من أكبر نقاط ريد بُل.

في “أسبوع الكشف عن السيارات الجديدة” لاحظنا وجود تعقيدات كبيرة محيطة بسيارتَي مرسيدس وفيراري، خصوصاً في منطقة الصفائح الجانبية، مقصورة القيادة، والفتحات الجانبية. لهذا السبب كان من المفاجئ ملاحظة البساطة التي تمتعت بها سيارة ريد بُل “أر بي 13” على مدار التجارب الشتوية.

من المؤكد أن سيارة ريد بُل تتمتع بهيكل فعّال جداً، كما كان الحال عليه العام الماضي، إضافةً إلى الاستغلال الذكي لقوانين أنظمة التعليق الخلفية ومعايير ضبط السيارة لتوليد الارتكازية المرتفعة. ولكن في الوقت ذاته، علينا ألا ننكر بأن فريق ريد بُل ظهر متأخراً بعض الشيء عن كل من مرسيدس وفيراري في برشلونة.

كان ذلك ناجماً، جزئياً، عن مشاكل وحدة طاقة رينو الجديدة والمختلفة كلياً، ورغم تأكيد ثنائي ريد بُل دانيال ريكياردو وماكس فيرشتابن بوجود تقدم ملحوظ على صعيد قوة المحرك، إلا أنهما اعترفا بمواجهة مشاكل موثوقية “متوقعة” نظراً للتغيير الجذري في فلسفة تصميم المحرك وأنظمة استعادة الطاقة.

بعد نهاية التجارب الشتوية أشار السائقان السابقان في الفورمولا 1، وزملاء فريق ريد بُل عامي 2007 و2008، دايفد كولتارد ومارك ويبر أنه جرت العادة على أن يظهر الفريق بشكل متواضع في التجارب، مع عدم الكشف عن أوراقه، حتى في الأعوام التي شهدت سيطرته المطلقة على اللقب. ومن المؤكد أن علينا عدم استبعاد ريد بُل عن دائرة المنافسة.

ولكن لننتقل إلى الفرق التي لفتت الأنظار بشكلٍ كبير في التجارب الشتوية. كان أداء فريق فيراري قوياً جداً على حلبة برشلونة. سيارة “أس أف 70 أتش” تميزت بابتكارات فريدة من نوعها في ما يتعلق بتصميم الفتحات الجانبية وتعقيدات الصفائح الجانبية المحيطة بها، وهو استغلال ذكي للقوانين.

لطالما تكررت على مدار الأعوام الماضية كلمة محددة تصف نقطة ضعف سيارات فيراري: الارتكازية. كانت السيارات الحمراء تفتقر للارتكازية، ما كان يؤثر بشكلٍ كبير على اجتياز المنعطفات السريعة. لاحظنا، منذ أيام تواجد فرناندو ألونسو مع الفريق الإيطالي، كيف كان السائقون يصارعون المقود أثناء اجتياز المنعطفات، مع المحاولات لكبح جماح السيارة وعدم فقدان السيطرة عليها.

لهذا السبب، شكك العديد بقدرة فيراري على “إتقان” تصميم سيارة 2017 في ظل القوانين التقنية التي تعتمد على الارتكازية.

ولكن بعد 8 أيام من التجارب، هناك عدة أسبابٍ تدعوا للتفاؤل لمشجعي فيراري. السيارة تتمتع بموثوقية كبيرة في البداية، إضافةً إلى الاستقرار العالي أثناء اجتياز المنعطفات، والسرعة المذهلة والتي انعكست على التواقيت التي سجلها سيباستيان فيتيل وكيمي رايكونن.

حسناً، ربما فيراري لن تفرض سيطرتها المطلقة على مجريات الموسم، وربما لم يكشف فريق مرسيدس عن أوراقه مع سيارة “دبليو 08” ومعايير الضبط وكمية الوقود المستخدمة، ولكن بالتأكيد، فإن أفضل توقيتٍ سجله كيمي رايكونن في التجارب الشتوية، 1:18.634 د، يبقى سريعاً جداً.

هناك تقديرات تشير إلى أن كمية الوقود التي استخدمها فريق مرسيدس تعني إمكانية تحسين تواقيت الأسهم الفضية بحوالي نصف ثانية أو حتى 0.7 ث، وبالتالي ربما يبقى فريق مرسيدس هو الأقوى في الوقت الحالي. ولكن حتى في حال استخدم فريق أبطال العالم كميةً قليلةً من الوقود، من المرجح أن التوقيت الذي سيسجله لن يكون أسرع بكثير من توقيت رايكونن.

هذا أمرٌ مبشر، نظراً لأنه يعني إمكانية وجود منافسة ثنائية (أو حتى ثلاثية، مع ريد بُل) على الصدارة في الفورمولا 1 في موسم 2017. يبقى علينا حتى الآن معرفة إن كانت سرعة فيراري في التجارب الشتوية ستستمر مع بداية الموسم.

الجميع يذكر العام الماضي كيف ظهر فريق فيراري بشكل قوي في التجارب الشتوية، وتمكن من تسجيل أسرع التواقيت، ولكن في جولة البحرين صدرت تقارير عن وجود مشكلة في نظام استعادة الطاقة الحرارية “أم جي يو أتش” والشاحن التوربيني التي حدّت من السرعة القصوى على الخطوط المستقيمة. ولكن، الدلائل تشير إلى أن فريق فيراري سيكون في وضعٍ أفضل مما كان الحال عليه منذ 12 شهراً.

لمن تكون الغلبة في معركة متوسط الترتيب؟

بعيداً عن الثلاثة الكبار، والذين يتمتعون بأفضلية تصل إلى حوالي 1.5 ث أمام بقية الفرق وفقاً لتصريحات مدير فريق هاس غانثر ستاينر، نشهد معركةً متقاربة جداً في منطقة متوسط الترتيب.

لعل أفضل فريقٍ في تلك المنطقة كان فريق ويليامز. ورغم البداية المتواضعة، بل حتى المضطربة، للتجارب الشتوية، تمكن الفريق المتمركز في “غروف” من تقديم أداء جيد في الأسبوع الثاني من التجارب وتسجيل بعض التواقيت القوية نسبياً.

يشتهر فريق ويليامز بقوته في تغييرات القوانين. يستغل هذه التغييرات الجذرية لتصميم سيارة جيدة، ومن ثم تبدأ تأديته بالتراجع شيئاً فشيئاً نظراً لعدم القدرة على مجاراة الفرق الكبيرة في ميزانيات التطوير.

يبدو أن ذلك سيتكرر في 2017. سيارة ويليامز “أف دبليو 40” تستغل وحدة طاقة مرسيدس القوية، والهيكل الجيد نسبياً، لتقديم أداء مقبول. ولكن هل ستكون مهمة ويليامز سهلة؟

من دون شك، أفضلية استخدام محركات مرسيدس لا يمكن إنكارها. ولكن في حال وجدت رينو الحلول لمشاكل وحدة الطاقة، البسيطة وفقاً لتصريحات الصانع الفرنسي، فإن فريق تورو روسو سيعتبر “الحصان الأسود” لهذا الموسم والذي سيفاجئ الجميع.

هيكل سيارة تورو روسو “أس تي أر 12” يتميز بالعديد من الابتكارات والتشابهات مع سيارة مرسيدس “دبليو 08”. ومن المرجح أن هذه السيارة أقوى من سيارة ويليامز لموسم 2017، على الأقل بعد نهاية التجارب الشتوية وقبل التوجه إلى الموسم.

فريق تورو روسو حدد هدفه بإنهاء موسم 2017 بالمركز الخامس، وهو طموحٌ تكرر في الأعوام الماضية ولكنه لم يتحقق. في الموسم الجديد، يتمتع فريق تورو روسو بهيكل يمكننا القول، بثقة، أنه رابع أفضل هيكل على شبكة الانطلاق. في حال تم تزويد هذا الهيكل بالمحرك القوي الذي يحتاجه، ربما سنشهد تحقيق بعض المفاجآت.

كما علينا عدم الاستهانة بفريق فورس إنديا، والذي كان أفضل فريق مع إمكانياته المتواضعة العام الماضي حيث حقق أفضل نتيجةٍ في تاريخه. هذا الفريق لديه فعالية كبيرة في العمل وتطوير السيارة مع الميزانية المحدودة مقارنةً مع الفرق الكبيرة، كما أن سيارة “في جاي أم 10” تتميز ببعض الابتكارات، خصوصاً في المقدمة، فضلاً عن أفضلية استخدام وحدة طاقة مرسيدس على غرار ويليامز.

من المرجح أن المركز الرابع سيشهد منافسةً شرسةً بين الفرق الثلاثة المذكورة، ويليامز، تورو روسو، وفورس إنديا، وهي معركة لا تقل إثارةً عن معركة الصدارة بين مرسيدس، فيراري، وريد بُل.

بالتأكيد، علينا ألا ننكر إمكانية تدخل فريقي رينو وهاس في هذه المعركة. رغم أن مشاكل الموثوقية أثرت بشكلٍ كبير على رينو على مدار الفترة الشتوية، إلا أن الفريق عازم على تعويض تأخره واستغلال “التقدم” في وحدة الطاقة للاقتراب من قمة متوسط الترتيب.

سيكون هناك تقارب كبير في الأداء بين فريقي رينو وهاس على مدار موسم 2017، ولكن نظراً للميزانية الضخمة التي يتمتع بها فريق رينو، وأهدافه الطموحة بالعودة إلى صدارة الفورمولا 1 في السنتين المقبلتين، من المرجح أن الأفضلية ستكون من نصيبه عند نهاية الموسم، وربما سيتمكن من التدخل في معركة ويليامز/ تورو روسو/ فورس إنديا أيضاً.

بالنسبة لفريق هاس، فإن مجرد تحقيق نتيجة مماثلة لنتيجة العام الماضي يعتبر إنجازاً لا يستهان به. الموسم الثاني في مسيرة كل فريق جديد يعتبر أصعب موسم نظراً لضرورة تطوير سيارة الموسم الأول والعمل على سيارة الموسم التالي. والفريق الأميركي واجه تحدياً إضافياً بوجود تغييرات جذرية في القوانين التقنية تعني تصميم السيارات من الصفر.

ولكن رغم ذلك، أداء فريق هاس كان جيداً نسبياً في تجارب برشلونة، مع استمرار مشاكل المكابح التي واجهها على مدار العام الماضي، ولكن نتوقع تمتع الفريق بمستوى جيد مع بداية الموسم، مع إمكانية المنافسة على النقاط.

نصل في النهاية إلى فريقي ماكلارين وساوبر. حتى الآن، يبقى من غير الاعتيادي وضع ماكلارين في هذه المجموعة من الفرق، في أدنى “الهرم” التنافسي.

اعترف مدراء هوندا على مدار الفترة الشتوية بوجود مخاطر ناجمة عن اتباع فلسفة تصميم مختلفة كلياً، وذلك في سعي الصانع الياباني لتقليص الفارق إلى بقية المحركات على الفور. ولكن، هذه المخاطر كانت صحيحة وأصبحت مشاكل واقعية وكارثية بالنسبة لتحالف ماكلارين هوندا الذي بدأ يشعر بالضغط.

أكبر عدد من اللفات المتواصلة التي أكملها فريق ماكلارين في التجارب الشتوية اقتصر على 11 لفة فقط، في حين أن العديد من الفرق الأخرى تمكنت من إكمال محاكاة سباق كامل في برشلونة، أي 66 لفة متواصلة.

مشاكل وحدة طاقة هوندا تتمثل بالموثوقية والقوة في الأداء، ويبدو أن هناك تراجعاً وأن الفريق أسوأ مما كان الحال عليه العام الماضي.

لن نقول بأن هيكل سيارة ماكلارين هو الأفضل. ولكن، مع التزود بوحدة طاقة جيدة، من المؤكد أنه يمكن لفريق ماكلارين المنافسة على المركز الرابع في ترتيب الصانعين بقوة.

التوتر أصبح ملحوظاً في ماكلارين، سواءً من خلال الانتقادات اللاذعة من فرناندو ألونسو، أو تصريحات إريك بولييه بأن فريقه يمكنه الفوز في حال تزود بمحركات مرسيدس، إضافةً إلى التقارير التي كشفت وجود تواصل بين ماكلارين وشريكه السابق مرسيدس لإمكانية العودة إلى استخدام محركات الصانع الألماني في المستقبل قريب الأمد.

في حال استمرت مشاكل الموثوقية لفريق ماكلارين وحالت دون إنهاء السباقات، هل سيكون فريق ساوبر أفضل منه؟ يبقى ذلك غير واضحٍ، خصوصاً وأن سيارة ساوبر “سي 36” تستخدم وحدة طاقة فيراري بمواصفات العام الماضي، ومع هيكل تصميم متواضع.

فريق ساوبر، في الوقت الحالي، يبدو الأضعف على شبكة الانطلاق، ولكن ربما عليه استغلال مشاكل ماكلارين هوندا للتقدم مركزاً إضافياً.

العديد من التساؤلات، وحماسٌ كبير مع انتظار الموسم الجديد الذي يعد بالمفاجآت والإثارة. مضت الفترة الشتوية بأكملها، يتبقى لنا أسبوعٌ واحد قبل الاستيقاظ باكراً لمتابعة تجارب جائزة أستراليا الكبرى الافتتاحية وللحصول على صورة أوضح!

أخبار ذات صلة

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.