تحليل: استراتيجيات سباق جائزة البحرين الكبرى 2017

شكّل سباق جائزة البحرين الكبرى، الجولة الثالثة من بطولة العالم للفورمولا 1 لموسم 2017، اختباراً جيداً وحقيقياً للتصميم الجديد لسيارات الفورمولا 1، فعادة ما تتميز حلبة البحرين الدولية بكثرة التجاوزات، واستراتيجيات الفرق التي تعلب دوراً هاماً على صعيد تأدية الإطارات على هذا المسار.

هذه السنة، رجحت كفة الميزان، في المعركة بين فيراري ومرسيدس، لصالح الفريق الإيطالي تبعاً لمزيج من العوامل، من ضمنها سرعة السائق سيباستيان فيتيل القوية جداً على إطارات الـ ‘سوبر سوفت‘، في الفترة الثانية على وجه الخصوص إضافة إلى ضعف مرسيدس النسبي بالمقارنة معهم، هذا أمر رأيناه مع التركيبات المطاطية الألين في جائزة أستراليا الافتتاحية.

استوعبت فيراري إطارات بيريللي الأعرض الجديدة، خاصةً التركيبات الألين، بشكل أفضل من خصومها الرئيسيين.

مرة أخرى، كانت فيراري قوية على صعيد الاستراتيجية ولجأت إلى توقف الصيانة المبكر للتغلب على مرسيدس، وكان من الممكن أن تلعب سيارة الأمان دوراً سلبياً في هذه االاستراتيجية، كما في جائزة الصين الكبرى، لكن هذه المرة لم تقم مرسيدس باستغلال هذه الفرصة، بسبب التأخير الذي حصل أثناء تنفيذ وقفات الصيانة وتعرض سائقها لويس هاميلتون للعقوبة.

إضافة إلى ذلك، كان هنالك مستويات قوية تُظهرها فرق متوسط الترتيب، خاصة سائق فريق فورس إنديا سيرجيو بيريز، الذي اعتمد على استراتيجية محددة وتمكن من عبور خط النهاية في المركز السابع بعد انطلاقه من المركز 18.

في هذا التقرير سنحلل بعمقٍ تفاصيل هذه القرارات، ولماذا اتُخِذت وكيف أفضت إلى تلك النتائج؟

اعتبارات ما قبل السباق

هذه السنة، تأخر موعد السباق عما كان عليه العام الماضي وكانت درجات الحرارة أكبر بكثير حتى يوم الأحد، قبل أن تبدأ بالانخفاض، وفي الوقت نفسه، كانت اتجاه الرياح يتغير من يوم الجمعة إلى السبت والأحد، إذ شهدنا رياح عكسية على المسار المستقيم وكانت قوية جداً يوم الأحد.

ونتيجة لذلك، لم تكن البيانات التي جُمِعت في حصة التجارب الثانية يوم الجمعة فعالة كما توقعت الفرق. حيث عانت مرسيدس من أدائها على إطارات ‘سوبر سوفت‘، بعد أن ظنوا أنهم بوضعٍ جيد بالنسبة لهذه الإطارات يوم الجمعة، لكن كانوا متأخرين على صعيد السرعة بالنسبة لـ فيراري يوم الأحد، وقد لعب ذلك دوراً أساسياً في خسارتهم للسباق.

على أية حال، لفريق مثل فورس إنديا، الذي يملك سائقاً مثل بيريز، بإمكانه إدارة إطاراته والحفاظ على سرعة جيدة في الوقت نفسه، لم يحيدوا عن قناعتهم بأن نسبة تآكل الإطارات ستنخفض بشكل واضح من الجمعة إلى الأحد، وهذا ما يترتب عليه اعتماد خطة التوقف مرتين في منطقة الصيانة، مع أول فترتّين على إطارات ‘سوبر سوفت‘، وكان بيريز محظوظاً قليلاً بخروج سيارة الأمان.

كان سباق العام الماضي غريباً بالنسبة للعديد من السيارات، من بينها سيارات منصة التتويج لسباق هذا الموسم، حيث غيروا استراتيجيتهم خلال السباق، وهذا عادة ما ينتج عنه نتائج كارثية، والسائقون الذين غيروا استراتيجيتهم خلال سباق هذه السنة خسروا بالمقارنة مع أولئك الذين ثبتوا على خططهم.

سلسلة من الأحداث غير المتوقعة أعاقت هاميلتون مع تقدم فيتيل

العام الماضي، خسر هاميلتون مركزه عند انطلاقة السباق لصالح زميله السابق الألماني نيكو روزبرغ، الذي فاز بذلك السباق. هذه السنة، مع انطلاقه من المركز الثاني، خسر أيضاً مركزه لصالح فيتيل، الذي أعرب عن احباطه نتيجة التأهل في المركز الثالث.

تتميز حلبة البحرين بأنها في المرتبة الثالثة على صعيد حلبات الموسم، التي يمنح فيها الجانب النظيف من الحلبة أفضلية أكبر من الجانب غير النظيف. كان هاميلتون على الجانب غير النظيف، في حين فيتيل كان على الجانب النظيف عند انطلاقة السباق.

دعا مدير فيراري ماوريزيو أريفابيني إلى اعتماد استراتيجية قوية وهجومية، وهذا ما نفذه رئيس قسم الاستراتيجية في الفريق إنياكي رويدا ولجأوا، كما في جولة الصين، إلى استراتيجية التوقف المبكر في اللفة العاشرة للتغلب على سائق مرسيدس فالتيري بوتاس.

كان بإمكان مرسيدس رؤية ذلك بالطبع، وكان بإمكانها منع حدوث هذا الأمر عبر إدخال بوتاس لإجراء وقفة الصيانة في اللفة العاشرة نفسها. بينما كانت هنالك مخاطرة صغيرة بالنسبة لـ فيتيل، مع وجود القليل من الازدحام على الحلبة لحظة خروجه من منطقة الصيانة، بتواجد بيريز، كارلوس ساينز ورومان غروجان، رأت مرسيدس الازدحام، وكانت تتنمى استمراره للفة إضافية، لكي تدخل بوتاس لمنطقة الصيانة وتجنب هجوم فيراري.

كان ذلك خطأ بكل تأكيد، لكن منذ تلك اللحظة قام الصانع الألماني بتقسيم الاستراتيجيات عبر التوفيق بين فيتيل وبوتاس على إطارات ‘سوبر سوفت‘، وهاميلتون على إطارات السوفت.

ومن ثم تدّخل القدر مرة أخرى، مع دخول سيارة الأمان إلى الحلبة بعد حادث سائق ويليامز لانس سترول وسائق تورو روسو ساينز، وتمتعت مرسيدس بفرصة إدخال بوتاس لإجراء وقفة الصيانة دون خسارة أي توقيت في السباق، وكسب الصدارة مرة أخرى.

كان من المفترض تراجع فيتيل خلف بوتاس وسائق فريق ريد بُل دانيال ريكياردو، ومن المرجح خلف هاميلتون، الذي اضطر لينتظر دوره في منطقة الحظائر خلف بوتاس، وليخسر مركزه لصالح ريكياردو.

لكن بوتاس أجرى لفة بطيئة وتوقف صيانة بطيء، بينما حجز هاميلتون ريكياردو خلفه في مدخل منطقة الصيانة، وتعرض لعقوبة إضافة خمس ثوانٍ لتوقيته النهائي بسبب ذلك.

وبالتالي أصبح مصير السباق بين يدَي فيتل، حيث حافظ على الصدارة خلف سيارة الأمان، واستغل الألماني هذه الفرصة الثانية، وقام بعمل رائع في فترته الثانية، ما سمح له الفوز بالسباق.

كان بوتاس في المركز الثاني خلف فيتيل على الإطارات نفسها في تلك الفترة الثانية، التي حددت سرعة فيراري التسابقية الجديدة، وأوحت أيضاً أن مرسيدس لم تعمل مع إطارات ‘سوبر سوفت‘ بالشكل المطلوب.

هاميلتون كان على إطارات السوفت، وأمضى 10 لفات خلف بوتاس في تلك الفترة من اللفة 17، وخسر 5 ثوانٍ لصالح فيتيل، وتمكن البريطاني من تجاوز بوتاس في اللفة 27، وأصبح قادراً على الابتعاد عن الفنلندي بـ 0.8 ثانية في كل لفة.

لذلك قرر المسؤول عن قسم الاستراتيجية في مرسيدس جايمس فولز تغيير خطة هاميلتون واستخدام إطارات سوفت مُستخدمة في الفترة الأخيرة عوضاً عن الخطة الأصلية التي تقتضي استخدام إطارات ‘سوبر سوفت‘، كانت تلك مقاربة أخرى تُضاف إلى الانطلاقة، العقوبة وتوقف الصيانة البطيء. لحسن الحظ، احتفظ الفرق بمجموعة من إطارات السوفت المٌستخدمة للسباق، كما فعلت فيراري، كخطوة تأمينية، فرق أخرى لم تفعل هذا الأمر، من بينها ريد بُل، الذي كان ملتزماً باستراتيجية إطارات ‘سوبر سوفت‘.

في الفترة الأخيرة له، كان سرعة هاميلتون كبيرة جداً، وبعد أوامر الفريق لـ بوتاس لإفساح المجال، تمكن البريطاني من تقليص الفارق عن فيتيل، في حين كان الأخير يدير إطاراته.

على أية حال، رفع فيتيل قوة وحدة طاقة سيارته مع تبقي ست لفات على النهاية، لتفادي هجوم هاميلتون، وبالتالي تمكن من الصمود والفوز بالسباق، من خلال جهد جماعي للألماني وفريقه، ولهذا السبب كان سعيداً.

هذا ذكرنا بحقبة مايكل شوماخر / روس براون الذهبية لفريق فيراري، كان تلك الاستراتيجية قوية، وأسلوب القيادة تنافسي وآلية تنفيذ القرارات سلسلة.

ذكريات نتيجة غروجان عام 2016 حددت القرارات الاستراتيجية


واحدة من الأشياء التي جعلت هذا السباق جيداً هو خيارات إطارات بيريللي والتي كان بمقدمتها إطارات ‘سوبر سوفت‘، التي أظهرت نسبة تآكل منخفضة، هذا دفع بالفرق للتفكير جيداً حيال الخطط الاستراتيجية، لذا رأينا مزيجاً من الاستراتيجيات، وكان القرار حيال استخدام إطارات سوفت أو سوبر سوفت في الفترة الثالثة متساوياً في احتمالاته، وهذا بالضبط ما أردنا رؤيته هذه السنة، بدلاً عن الخيارات المحافظة مع نسبة تآكل شبه معدومة واستراتيجية توقف واحدة.

ربما مرسيدس عانت مع إطارات ‘سوبر سوفت‘، لكن الفرق الأخرى بنت الخطط على أساسها.

تقدم بيريز من المركز 18 على شبكة الانطلاق إلى المركز السابع مستخدماً إطارات ‘سوبر سوفت‘، أظهرت بيانات يوم الجمعة أن نسبة تآكل الإطارات ستكون حوالي 0.18% لكل لفة، لكن من المرجح أن هذه النسبة ستنخفض خلال السباق، مع تحسن حالة المسار.

أصبح بيريز واحداً من أفضل السائقين على صعيد إدارة الإطارات في الفترات الطويلة مع الحفاظ على سرعة جيدة، كما فيتيل، الذي أدار إطارته لـ 23 لفة في فترته الثانية على الـ ‘سوبر سوفت‘، لكن علينا ألا ننسى أن فيتيل كان يقود في الصدارة، لذا أداء المكسيكي كان قوياً بحق.

قدّم بيريز انطلاقة قوية وتقدم إلى المركز 13، ومن ثم تجاوز سائق رينو جوليون بالمر إلى المركز 12، وصبَّ خروج سيارة الأمان في مصلحته أيضاً، حيث أجرى توقف الصيانة وخسر 9.1 ثانية فقط مقابل 21 ثانية في الظروف الطبيعية.

هذا ساعده على تجاوز غروجان، في حين تعرض ساينز وماكس فيرشتابن للمشاكل، وبالتالي حلَّ بيريز في المركز التاسع بعد دخول سيارة الأمان منطقة الصيانة، خلف سائق ساوبر ماركوس إريكسون، الذي كان قد توقف لمرة واحدة، وسائق رينو نيكو هولكنبرغ.

استخدم هولكنبرغ إطارات سوفت في توقفه الأول عند خروج سيارة الأمان، ما منحه خيار التوقف مرة واحدة، لكن هذا عنى أن بيريز كان قادراً على الاعتماد على سرعته مع الـ ‘سوبر سوفت‘ لتجاوزه، وهذا ما قام به عبر الحفاظ على عمر إطارته لـ 23 لفة. غيّر هولكنبرغ خطته وأجرى توقف صيانة ثانٍ، الأمر الذي ثبّت نتيجة بيريز، إذ لم يتمكن الألماني من مجاراة سرعته في الحصة التأهيلية في ظروف التسابق.

كان فريق ويليامز متفاجئاً قليلاً لرؤية كم كان قريباً بيريز في نهاية السباق، وبما أن سرعة فريق فورس إنديا لم تكن جيدة في الحصة التأهيلية، لم يتوقعوا أن يكون مستواه التنافسي كبيراً في السباق.

ماسا في فترته الثانية، تعرض للتجاوز من قبل كيمي رايكونن وريكياردو، وعانى نسبياً على صعيد سرعته في نهاية هذه الفترة رغم استخدامه إطارات سوفت.

كان بيريز مرشحاً ليجلس خلف مقود سيارات فيراري في الماضي، وتأديته في هذا السباق ربما قد تدفع الفريق الإيطالي لإعادة النظر بهذا الخيار.

الخطة البديلة

قدّم سائق ساوبر الألماني باسكال فيهرلاين أداءً رائعاً مع عودته إلى البطولة بعد غيابه نتيجة الإصابة، وأنهى السباق في المركز 11 خلف مقود السيارة الأبطأ على شبكة الانطلاق، الأمر هذا كان عبر استراتيجية التوقف مرة واحدة، بدأ مع إطارات ‘سوبر سوفت‘ ومن ثم الانتقال لاستخدام إطارات سوفت لفترة امتدت لـ 45 لفة، حيث أجرى توقف الصيانة في اللفة 11، ولم يكسب أي أفضلية من خروج سيارة الأمان، لكن عبر التوقف لمرة واحدة تمكن من كسب 24 ثانية كاملة، في سيارة بطيئة مثل ساوبر، هذا الوقت يُهدر في كل لفة، إلا أنه فاز بهذه المراكز عبر التقدم على الآخرين الذين توقفوا لمرة ثانية، مثل دانييل كفيات، فرناندو ألونسو، بالمر، إستيبان أوكون وهولكنبرغ، الأخيران تمكنا من تجاوزه بسهولة، لكنه تمكن من البقاء أمام كفيات وبالمر، كلاهما يقودان سيارات أسرع.

تقرير UBS لاستراتيجية السباقات مع جايمس آلان، ومع معطيات ومساهمة العديد من الفرق وأخصائي الاستراتيجية وشركة بيريللي للإطارات. 

المخطط البياني لأحداث السباق


المحور الأفقي: عدد اللفات، الفارق خلف سائق الصدارة على المحور الشاقولي.

تتمثل بوادر الأداء الجيدة في المنحنيات المتصاعدة مع استهلاك الوقود، في حين الأداء غير الجيد يتمثل بالانحدارات مع ارتفاع نسبة تآكل الإطارات.

بالمقارنة بين سرعتي فيتيل وهاميلتون مع زمليهما، سرعة رايكونن محيرة مرة أخرى في الفترة الأخيرة، والفارق كبير جداً عن فيتيل.

لاحظوا أيضاً، كيف تمكن بيريز من الحفاظ على سرعته في فترة الثانية الطويلة على إطارات سوبر سوفت أمام هولكنبرغ مع إطارات السوفت.