تحليل: استراتيجيات سباق جائزة إسبانيا الكبرى 2017

كان سباق جائزة إسبانيا الكبرى واحداً من أفضل السباقات من الناحية الاستراتيجية على مدى أعوامٍ عدّة، كلعبة شطرنجٍ بين صانعَين يتمتعان بمهارة كبيرة، مع سائقين يقدّمان أقصى ما عندهما من طاقات على الحلبة.

كما العام الماضي، حددت استراتيجيات جولة برشلونة النتائج النهائية، لكن بطلَي العالم لويس هاميلتون وسيباستيان فيتيل تفوقا على نفسيهما هذه السنة، مع قيادة بطولية جعلت منه سباقاً لا يُنسى.

هنا سنقوم بتحليل القرارات المهمة التي حددت نتائج هذه الجولة، وكيف تأرجح النواس من سائقٍ إلى آخر في أوقات عديدة، كما سننظر أيضاً كيف تمكن فريق ساوبر من تحقيق النتيجة الأفضل له منذ عام 2015، مع استراتيجية توقف صيانة واحد قوية جداً، أثبتت أنها ذات قيمة، وضمنت له أربع نقاطٍ للفريق.

اعتبارات ما قبل السباق

قبل السباق، أعلنت بيريللي أن استراتيجية التوقفات الثلاثة هي الأكثر نجاعة، لكن العامل الأساسي يتمحور حول حسابات الفروق بين إطارات سوفت وميديوم.

إذ كان الفارق يوم الجمعة كبيراً جداً، بعض الفرق أشارت إلى أن الفارق بين هاتَين النوعيتَين من الإطارات يبلغ ثانيتَين في اللفة الواحدة.

لكن بيانات السباق أظهرت انخفاضاً في هذه الأرقام، إضافة إلى أن الظروف الجوية كانت مختلفة يوم الجمعة، وخاصة الهواء، ما أدّى إلى تفاقم هذه المشكلة بشكل أكبر.

والاعتبار الآخر هو قلة خروج سيارات الأمان الواقعية والافتراضية في هذا السباق، وبالتالي لا يُؤخذ في الحسبان كثيراً هذا العامل عند تحديد المشاكل.

هاميلتون وفيتيل: المرحلة الأولى من السباق – أفضلية فيتيل

في هذا السباق، برهن فيتيل على قيمته كقائدٍ للفريق، واتخذ قرارِين مهمين من مقصورة القيادة في مناسبَتين مستقلتَين، عَمِلت فيراري بإحداهما وتجاهلت الآخر، وهذا هو السبب خلف خسارتهم للسباق، كما سنرى.

بعد دقائق قليلة على بداية الحصة التأهيلية ليوم السبت، أخبر الفريق فيتيل بضرورة إيقاف المحرك. سائق أقل خبرة كان ليطيع ذلك، لكن الألماني شكك بها، وخلال ذلك الوقت صححت تلك المشكلة نفسها، وبالتالي عوضاً عن الانطلاق من مؤخرة شبكة الانطلاق، كان قادراً على المنافسة على المركز الأول، وكان قادراً على تحقيقه لولا ذلك الخطأ الصغير في اللفة الأخيرة.

لكن ذلك لا يهم، حيث أنه خطف صدارة السباق في انطلاقته.

لاعتماد استراتيجية التوقفات الثلاثة، أنت تحتاج للتوقف في اللفة 13. في اللفة 12 تقريباً، بدأت مرسيدس، التي لديها هاميلتون في المركز الثاني، بإجراء حركات أظهرت نيتها للقيام بتوقف صيانة، وأُخبر هاميلتون بضرورة زيادة سرعته، في تلك المرحلة كان الفارق مع فيتيل 2.2 ثانية، إلا أنه انخفض إلى 1.8 مع الازدحام، الأمر الذي وضع الألماني تحت خطر توقف هاميلتون المبكر، لو أن الأخير توقف واستخدم تأدية الإطارات الجديدة لتجاوز سائق فيراري.

أمام فيتيل كان هنالك سائق ماكلارين ستوفيل فاندورن، لذا كانت مخاطرة أن تقوم فيراري بإدخال فيتيل إلى منطقة الصيانة. المشكلة أن سائق فريق ريد بُل الأسترالي دانيال ريكياردو كان داخل مجال الـ 22 ثانية، والتي هي زمن توقف الصيانة الكامل، وهذا هو السبب خلف عدم ذهاب مرسيدس لخيار التوقف المبكر، إذ أن ذكريات سباق ملبورن الافتتاحي ما زالت جديدة، حيث فشل هاميلتون بتجاوز سيارة ريد بُل آنذاك، لكن فيتيل تمكن من التوقف ما رجّح كفة السباق لصالحه.

دخل فيتيل منطقة الصيانة ومن ثم كان قادراً على تجاوز ريكياردو بسهولة، وبالتالي كانت هنالك أفضلية واضحة لـ فيراري في تلك المرحلة من السباق.

مرسيدس تلعب الشطرنج ببوتاس وفيراري تقدّم لهم مرمى مفتوحاً

ردّت مرسيدس بتمديد فترتَي هاميلتون وفالتيري بوتاس. في حالة بوتاس، أثبت تلك الحركة أنها كانت أساسية للفوز بالسباق، حيث تمكن الفنلندي من حجز فيتيل خلفه للفتَين، ما كلّف سائق فيراري ثوانٍ أربع من زمن السباق.

في حالة هاميلتون، كلفته تلك الحركة زمناً قيّماً، لكن مع اقحام زميله باللعبة، ومن ثم خطأ استثنائي من فيراري، أدّى إلى فوز مرسيدس بالسباق.

في اللفة 34، تم تفعيل سيارة الأمان الافتراضية بسبب حادث فاندورن، وهو أمرٌ غير معتاد على الاطلاق في هذه المرحلة من سباق إسبانيا، ويعني أن السائق بإمكانه الدخول إلى منطقة الصيانة واستخدام إطارات ميديوم حتى نهاية السباق.

ينظر استراتيجيو الفرق على حالة السيارة المتضررة، وما إذا كانت ستدخل الروافع لسحبها من الحلبة أو تواجد قطع متطايرة على الأرض، لتقييم زمن سيارة الأمان الافتراضية أو إذا تواجد احتمال دخول سيارة الأمان.

بدا حادث فاندورن بسيطاً، لذا على الأرجح أن سيارة الأمان الافتراضية ستبقى للفة واحدة أو اثنتين، وهذا كان تقييم غالبية الفرق.

الفرق في الوقت المُوَّفر بين إجراء وقفة الصيانة في ظل تفعيل سيارة الأمان الافتراضية وأوقات التسابق العادية تسع ثوانٍ.

الفارق بين فيتيل وهاميلتون 9 ثوانٍ في تلك المرحلة، كان ليغدو 13 ثانية لولا تدخل بوتاس.

كان هنالك ثلاثة سيناريوهات محتملة، توقف كلا السيارتَين، الأمر الذي سيصب في مصلحة فيتيل، توقف فيتيل لوحده، وهذا أيضاً في مصلحة الألماني، أما السيناريو الوحيد الذي يعطي هاميلتون الأفضلية هو توقفه لوحده، وهذا ما حدث.

أخبر فيتيل فريقه على الراديو بأنه يشعر بضرورة إجرائه لتوقف الصيانة، لكن فيراري قررت عدم إيقافه. أحد الأسباب التي دفعت الفريق الإيطالي لاتخاذ هذا القرار هو ما حصل في سباق كندا 2016، السباق الذي خسرته فيراري في ظروف مشابهة، نتيجة التوقف مع نهاية فترة سيارة الأمان الافتراضية.

أدركت مرسيدس بأنهم إذا تمكنوا من التوقف والاستفادة من فترة تواجد سيارة الأمان الافتراضية، سيقلصون الفارق، ولم يكن بمقدورهم معرفة متى ستنتهي فترة سيارة الأمان الافتراضية.

لذا مرسيدس قررت سحب الزناد وكسب بعض الوقت، لكن ذلك لم يكن مثالياً، مع انتهاء فترة سيارة الأمان الافتراضية أثناء تواجد هاميلتون في منطقة الصيانة.

لكنها وفرت لهم الكثر من الوقت، ومن ثم أجرى هاميلتون لفة قوية جداً بعد خروجه، لذا كان على فيراري الاستجابة وإدخال فيتيل في اللفة اللاحقة، وعندما خرج من منطقة الصيانة، كان بجانب هاميلتون، وتسابقا بشكل رائع وتمكن الألماني من الحفاظ على مركزه.

كان تحدي فيتيل، على إطارات ميديوم، إبقاء هاميلتون خلفه لوقت كافٍ لكي تصل إطارات السوفت الخاصة بالبريطاني إلى حدود عملها، كالذي فعله بوتاس بـ فيتيل مع بداية فترته الثانية.

مع سيارات 2017 هذه، أصبح الأمر أكثر سهولة لدخول المنعطف الأخير دون الضغط على عتلة المكابح عما كان عليه العام الماضي، بينما كان التجاوز على المسار المستقيم الرئيسي صعباً جداً (كيمي رايكونن وماكس فيرتشابن العام الماضي على سبيل المثال)، لكن هاميلتون كان قادراً على إنجاز العمل، وخطف الصدارة مع إطاراته التي ما تزال جديدة.

فكّرت فيراري بالخطة الثالثة، والتي كانت التوقف لمرة ثالثة، لكن مرسيدس أبقت على فارق الـ 2.8 ثانية، ما أدّى خسارة فيراري لهذه الفرصة.

بدا هذا السباق بأنه في متناول فيتيل، حيث كان هاميلتون في المكان الذي يريده قبل أن تقدم له فيراري مرمى مفتوح.

سيكون من المثير رؤية مدى التردد تحت سيارة الأمان الافتراضية عندما تملك فيراري السيطرة في الجولات المقبلة.

مغامرة ساوبر جلبت نقاطاً ثمينة

عندما تكون فريقاً كـ ساوبر، وتملك السيارة الأبطأ في البطولة على حلبة كحلبة برشلونة، عليكَ أن تكون قوياً، إذا خططت للتوقف مرتين كالباقي، أفضل ما يمكنك القيام به هو المنافسة على المراكز 16 و17.

لذا دخل فريق ساوبر المقامرة، إذا نجحت ستكون انجازاً كبيراً، أما في حالة فشلها، فذلك ضمن إطار التوقفات العامة.

لذا قرر فريق ساوبر دخول نهاية الأسبوع باستراتيجية واحدة وهي التوقف لمرة فقط، هذا يعني أن السائقين انتهجوا خلال حصص التجارب هذه الخطة، وقام الفريق بضبط السيارة على هذا الأساس.

اعتمدت الاستراتيجية على عمل السائق الألماني باسكال فيهرلاين في النصف الأول من السباق على إطارات سوفت الجديدة، وهذا ما أنجزه على أكمل وجه، وكان الفريق بطريقه لإنهاء السباق في المركز العاشر أمام سائق فريق تورو روسو الروسي دانييل كفيات، لكن تفعيل سيارة الأمان الافتراضية والقدر قدّما للفريق فرصة للتألق.

تم تفعيل سيارة الأمان الافتراضية عندما دخل فيهرلاين المنعطف المزدوج الأخير، قبل دخول منطقة الصيانة بثانيتَين، وتم إخباره على الفور، ما سبب دخوله منطقة الصيانة بعد النقطة المسموحة، ليحصل على عقوبة إضافة خمس ثوانٍ، لذا ذلك لم يكن خطأه.

لو أنه اجتاز ذلك المنعطف ولم يجر وقفة الصيانة تلك، كان سيخرج خلف سائق فريق هاس الفرنسي رومان غروجان في المركز 11، الذي كان خلفه بفارق 7 ثوانٍ، وهو أقل من الفترة التي تم توفيرها جراء توقف الصيانة تحت سيارة الأمان الافتراضية، لذا كان فريق ساوبر سيخسر فرصة الحصول على النقاط.

كان تلك الخطة صعبة جداً، إلا أنها نجحت.

تقرير يو بي أس لاستراتيجيات السباق يأتيكم عبر جايمس آلن مع مساهمة ومعطيات من مختلف مهندسي الاستراتيجية من عدة فرق إضافةً لـ بيريللي.

المخطط البياني للسباق

خاص بفريق ويليامز

خط المبدأ هو توقيت لفة لسيارة مرجعية تسجل متوسط سرعة الفائز بالسباق كل لفة، وهو يعبر عن فارق التأدية بين السيارات.

لاحظوا الفارق الكبير بين سيارتَي الصدارة وسيارة ريد بُل، إذ يحتاج بعض العمل لردم الهوة، ولاحظوا أيضاً سيارات فريق فورس إنديا، التي قدّمت انطلاقة قوية بالسباق لكي تحافظ على مركزها على مسار الحلبة.

أيضاً، انظروا لمكان سيارتَي فريق ويليامز بالنسبة لـ فورس إنديا، والذي كلّفهم خسارة 22 نقطة لصالح منافسيهم في البطولة.

كما دققوا بمخطط استخدام الإطارات، حيث لم تستخدم الفرق أي تركيبة مطاطية قاسية ‘هارد‘،  وهي نهاية أسبوع أخرى، تكون فيها خيارات الإطارات الثلاثة قاسية جداً، ما يقلل من الخيارات الاستراتيجية في السباق.