تحليل: صحوة من فيراري وتهديد مبكر من مرسيدس في البرازيل

كما كان متوقعاً، قدمت لنا البرازيل سباقاً جميلاً لربما لم يكن الأكثر إثارةٍ في الموسم الحالي من بطولة العالم للفورمولا 1، إلا أنه يعطي بعض المؤشرات حول موسمٍ مثير بانتظارنا السنة المقبلة، مع أداء فيراري سيباستيان فيتيل، وتهديد مبكر من مرسيدس ولويس هاميلتون للمنافسين! 

في الأعوام الماضية، جرت العادة على أن يبدأ فريق فيراري الموسم بشكلٍ جيد، ومن ثم يتراجع في وتيرة التطوير بشكلٍ كبير. كان ذلك واضحاً العام الماضي، عندما بدأ الفريق الإيطالي الموسم مع منافسة مرسيدس على الفوز بالسباقات، ولكن في نهاية المطاف تراجع مستوى الأداء لينهي الفريق الموسم بالمركز الثالث خلف ريد بُل أيضاً في ترتيب الصانعين.

ننتقل إلى الموسم الحالي، بداية الموسم كانت أشبه بالحلم لـ فيراري وسيباستيان فيتيل مع تصدر ترتيب بطولة العالم للسائقين. ولكن، شيئاً فشيئاً، وبعد الفترة الصيفية على وجه الخصوص، ظهر فريق مرسيدس بشكلٍ أقوى، إضافةً إلى الوتيرة المذهلة من فريق ريد بُل في عملية تطوير السيارة التي سمحت لـ فيرشتابن بالفوز بسباقين في أربع جولات.

لهذا السبب وصل فريق فيراري إلى الجولتين الختاميتين من الموسم الحالي ولا هدف أمامه سوى الفوز. فوزٌ قد لا يعني الكثير، نظراً لأن الألقاب حُسمت لمصلحة مرسيدس وهاميلتون، ولكنه فوزٌ يمكنه رفع معنويات الفريق الإيطالي، ويعطيه أسباباً للتفاؤل بأن الموسم المقبل سيكون قوياً وأن الفريق بذل مجهوداً جيداً على مدار الموسم الحالي في عملية تطوير السيارة.

لاحظنا خيبة أمل فيتيل الكبيرة بعد نهاية الحصة التأهيلية، مع تفويته للحصول على مركز الانطلاق الأول بفارق 0.03 ث خلف زميل هاميلتون في مرسيدس فالتيري بوتاس.

أدرك فيتيل أن الانطلاق يمثل الفرصة الأبرز، بل ربما الوحيدة، لخطف الصدارة والمضي قدماً للفوز بالسباق. وكان ذلك واضحاً من خلال جرأته عندما ألقى بسيارته عبر المسار الداخلي للمنعطف الأول وفاجأ بوتاس.

كانت هناك مخاطرة في تلك الحركة من فيتيل، ولكنها مخاطرة عنوانها واضح: الفوز، أو لا شيء، لـ فيتيل وفيراري في البرازيل وأبوظبي. كان الألماني عازماً على منح فريقه أسباباً للابتسام والتفاؤل بعد خيبة أمل الجولات الماضية، والتي كان من شأنها ضعف ثقة أعضاء فريق فيراري بأنفسهم. وبأنهم، ربما، كرروا سيناريو الأعوام الماضية وتراجعوا على مدار الموسم ولم يتمكنوا من المحافظة على وتيرة تطوير جيدة.

ولكن أداء فيتيل في البرازيل كان قوياً، وقام بما يجيده بأفضل طريقة ممكنة. تصدر السباق منذ اللفة الأولى، ومن ثم التحكم بمجريات السباق بأكمله.

عندما كان فيتيل بحاجةٍ للضغط، كان يضغط، وعندما كان بحاجةٍ للمحافظة على إطاراته كان يقوم بذلك بشكلٍ جيد وبفعالية. كما استجاب فريق فيراري إلى استراتيجية مرسيدس بشكلٍ مثالي، إذ خرج فيتيل من منطقة الصيانة بعد إكمال توقفه أمام بوتاس مباشرةً، بعد أن أجرى الأخير توقفه في اللفة الماضية، ولا بد لنا من الإشادة بسرعة ميكانيكيي فيراري الذين أكملوا تبديل إطارات فيتيل بـ 2.1 ث فقط!

أداء فيراري في البرازيل يشير إلى أن مشاكل الموثوقية التي واجهها الفريق في الجولات الماضية ما هي إلا مشاكل بسيطة، يمكن إيجاد الحلول لها. ذُكر ذلك عدة مراتٍ من قبل، ولا بد من ذكره مجدداً: تحسين موثوقية سيارة سريعة أسهل من تحسين سرعة سيارة لديها موثوقية جيدة.

ولهذا السبب، فإن تمتع فيراري بسيارة يمكنها المنافسة على الفوز بالسباقات في الجولتين الأخيرتين من الموسم يشير إلى أسباب كبيرة للتفاؤل بأن الفريق الإيطالي وجد التوليفة الناجحة، وما عليه سوى إجراء تعديلات طفيفة في كيفية التعامل مع جودة القطع، بالترافق مع عدم تشتت التركيز وضمان الاستمرار بالضغط لتطوير السيارة الجديدة، ليضمن المنافسة بشكلٍ مماثل، بل ربما أقوى، على ألقاب الموسم المقبل.

ولكن رغم ذلك، فإن مهمة فيراري لن تكون سهلة إطلاقاً. هذا ما كان واضحاً من خلال الأداء الذي قدمه لويس هاميلتون، الذي انطلق من منطقة الصيانة.

لا بد لنا من النظر إلى التفاصيل التي تشير إلى تعطش هاميلتون ومرسيدس لتحقيق نجاحات إضافية السنة المقبلة. وبالفعل، هناك تحذيرات مبكرة من مرسيدس بأن سيارة السنة المقبلة ستكون قويةً.

استخدم هاميلتون المحرك الرابع له للمرة الأولى في تجارب الجمعة من جائزة بلجيكا الكبرى. استخدامه في ذلك الوقت المبكر، نسبياً، كان مفاجئاً بالفعل.

ولكن قوانين الفورمولا 1 تسمح للفرق بالتبديل بين المحركات الأربعة كما يشاؤون على مدار الموسم بأكمله، ومن ثم الحصول على عقوبات في حال استخدام المحرك الخامس أو أكثر.

يعني ذلك أن هاميلتون لم يكن بحاجةٍ لاستخدام المحرك الرابع حتى نهاية الموسم، وإنما كان يقوم بتبديل هذا المحرك بين مختلف الجولات. للأسف، فإن الوثائق والبيانات التي يصدرها الاتحاد الدولي للسيارات لا تتيح معرفة مواصفات المحرك المستخدمة.

ولكن بالانتقال إلى جائزة البرازيل الكبرى، تعرض هاميلتون لحادثٍ عنيف في الحصة التأهيلية. وكشف فريق مرسيدس أنه سيضع محركات بمواصفات جديدة على متن سيارة هاميلتون للسباق، ونظراً لتغيير المواصفات، فإن ذلك سيعني انطلاق البريطاني من منطقة الصيانة.

في البداية كانت هناك تقارير تشير إلى أن فريق مرسيدس سيضع محركاً بمواصفات مبدئية لـ 2018 ليختبرها هاميلتون على مدار السباق، قبل أن تتضح الصورة بشكلٍ أكبر ليتبين أن هاميلتون كان يستخدم، في الحصة التأهيلية في البرازيل، المحرك الثالث للموسم الحالي والذي كان ينوي باستخدامه بالسباق.

جرت العادة على أن تستخدم الفرق المحركات القديمة في تجارب الجمعة على سبيل المثال، قبل الانتقال إلى استخدام المواصفات الأحدث في الحصة التأهيلية والسباق.

إلا أن ثقة مرسيدس باستخدام هذا المحرك، الأبطأ، في السباقات حتى الآن تعتبر كبيرةً. وهذا الأمر كان واضحاً، إذ تمتع هاميلتون بأفضلية أداء مريحة مقارنةً مع زميله بوتاس، الذي استخدم المحرك الثالث. ومن الواضح أن هناك قفزة نوعية في الأداء كانت ‘مخفية’ مع عدم القدرة على تمييز استخدام مرسيدس للمحرك الثالث أو الرابع على مدار الجولات الماضية.

وبالتالي من المؤكد أن فريق مرسيدس يستمر بالتمتع بأفضلية المحركات مقارنةً مع فيراري، التي تعتبر من أقرب المنافسين. وهذا أمرٌ اعترف به فيتيل أيضاً بعد نهاية السباق الذي كان يعتقد أنه كان يخسر وقتاً ثميناً عبر الخطوط المستقيمة لمصلحة بوتاس في كل لفة، ومن ثم يتمكن من تعويض هذا التأخر في المقطع الثاني المليء بالمنعطفات.

لهذا السبب، فإن فريق مرسيدس استغل تغيير محرك هاميلتون، الذي علينا أن نعترف، في الوقت ذاته، أنه يمكن إجهاده بشكلٍ أكبر من محركات فيراري وحتى محرك بوتاس نظراً لأن هاميلتون عليه إكمال سباق وجولة واحدة فقط مع هذا المحرك.

إلا أن قوة محركات مرسيدس تبقى كبيرةً بالفعل، وتبقى مذهلةً ولهذا السبب من المؤكد أن سباق البرازيل سيمنح قسم المحركات في فيراري أسباباً لدراسة كافة البيانات لمحاولة تحقيق مكاسب وضمان عدم توسيع مرسيدس للفارق السنة المقبلة.

جولةٌ واحدةٌ وينتهي الموسم الحالي من بطولة العالم للفورمولا 1، تتبعها تكهناتٌ حول ما سيكون الحال عليه السنة المقبلة، ومن سينضم إلى هذه المعركة الملحمية على الألقاب؟

حكاية موسم 2017 تقترب من نهايتها، ولكنها تعد بالكثير للسنة المقبلة التي ننتظرها، منذ الآن، بفارغ الصبر!

أخبار ذات صلة

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.